ابن عجيبة

494

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

إلا أن يكون صرفه في تجارة رابحة ، تقربكم من الحبيب ، وتجلبكم إلى حضرة القريب ، فتلك تجارة رابحة وصفقة نافعة . والله تعالى أعلم . ثم تكلم على بعض ما يتعلق بحفظ الأبدان ، وسيأتي تمامه في قوله : ( وما كان لمؤمن . . . ) إلى آخر الآيات ، فقال : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ . . . يقول الحق جل جلاله : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ، بالخنق أو بالنخع « 1 » أو بالجرح ، الذي يؤدى إلى الموت ، أو بالإلقاء إلى التهلكة . وعن عمرو بن العاص رضي اللّه عنه قال : ( بعثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في غزوة ذات السّلاسل ، فأجنبت في ليلة باردة ، فأشفقت على نفسي وصليت بأصحابي صلاة الصبح بالتيمم . فلمّا قدمت ذكرت ذلك لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال : « يا عمرو صلّيت بأصحابك وأنت جنب ؟ » قلت : نعم يا رسول الله ، أشفقت إن اغتسلت أن أهلك ، فذكرت قوله تعالى : لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ، فضحك النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ولم يقل شيئا ) . أو : ولا تقتلوا إخوانكم في الإسلام ، فإن المؤمنين كنفس واحدة . قال البيضاوي : جمع في التوصية بين حفظ النفس والمال - الذي هو شقيقها من حيث إنه سبب قوامها - استبقاء لهم . ه . وإنما نهاكم عن قتل أنفسكم رأفة ، ورحمة بكم ، إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ، فقد أمر بني إسرائيل بقتل أنفسهم ، وأنتم نهاكم عنه . وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ القتل . أو جميع ما سبق من المحرمات عُدْواناً وَظُلْماً ، أي : إفراطا في التجاوز عن الحد ، وإتيانا بما لا يستحق ، أو تعديا على الغير وظلما على النفس ، بتعريضها للعقاب ، فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً أي : نحرقه ونشويه فيها . وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً . وفي الحديث عنه صلّى اللّه عليه وسلم : « من قتل نفسه بشئ عذب به في نار جهنّم خالدا مخلّدا فيها » وهو تغليظ ، أو لمن استحل ذلك . وهذا الوعيد الذي ذكره الحق هنا في قتل الإنسان بيده ، أهون مما ذكره في قتل الغير ، الذي يأتي ، لأنه زاد هناك الغضب واللعنة والعذاب العظيم ، أما قول ابن عطية : إنه أجمع المفسرون أن هذه الآية في قتل بعضهم بعضا ، فليس بصحيح ، والله تعالى أعلم .

--> ( 1 ) النخع : هو القتل الشديد ، مشتق من قطع النخاع .